عبد الرحمن بن ناصر السعدي
515
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصىءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) * ثم ذكر تفصيل ما أجمله فقال : * ( وإذ قلنا ) * ( إلي ) * ( فتاب عليه وهدى ) * . أي : لما أكمل خلق آدم بيده ، وعلمه الأسماء ، وفضله ، وكرمه ، أمر الملائكة بالسجود له ، إكراما ، وتعظيما ، وإجلالا ، فبادروا بالسجود ممتثلين ، وكان بينهم إبليس ، فاستكبر عن أمر ربه ، وامتنع من السجود لآدم وقال : * ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) * فتبينت حينئذ ، عداوته البليغة لآدم وزوجه ، لما كان عدو الله ، وظهر من حسده ، ما كان سبب العداوة ، فحذر الله آدم وزوجه منه ، وقال : * ( لا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) * إذا أخرجت منها ، فإن لك فيها الرزق الهني والراحة التامة . * ( إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) * أي : تصيبك الشمس بحرها ، فضمن له ، استمرار الطعام والشراب ، والكسوة ، والماء ، وعدم التعب والنصب . ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال : * ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) * ، فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ، ويزين أكل الشجرة ، ويقول : * ( هل أدلك على شجرة الخلد ) * أي : التي من أكل منها خلد في الجنة . * ( وملك لا يبلى ) * أي : لا ينقطع ، إذا أكلت منها ، فأتاه بصورة ناصح ، وتلطف له في الكلام ، فاغتر به آدم ، فأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما ، وسقطت كسوتهما ، واتضحت معصيتهما ، وبدا لكل منهما سوأة الآخر ، بعد أن كانا مستورين ، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ، ليستترا بذلك ، وأصابهما من الخجل ، ما الله به عليم . * ( وعصى أدم ربه فغوى ) * فبادرا إلى التوبة والإنابة ، وقالا : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * ، فاجتباه ربه ، واختاره ، ويسر له التوبة * ( فتاب عليه وهدى ) * فكان بعد التوبة ، أحسن منه قبلها ، ورجع كيد العدو عليه ، وبطل مكره ، فتمت النعمة عليه ، وعلى ذريته ، ووجب عليهم القيام بها ، والاعتراف ، وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم ، ليلا ونهارا * ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) * أي : ينزع عنهما لباسهما ، ليريهما سوءاتهما ، * ( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) * . * ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) * يخبر تعالى ، أنه أمر آدم وإبليس أن يهبطا إلى الأرض ، وأن يتخذ آدم وبنوه الشيطان عدوا لهم ، فيأخذوا الحذر منه ، ويعدوا له عدته ويحاربوه ، وأنه سينزل عليهم كتبا ، ويرسل إليهم رسلا يبينون لهم الطريق المستقيم الموصلة إليه وإلى جنته ، ويحذرونهم من هذا العدو المبين ، وأنهم أي وقت جاءهم ذلك الهدى ، الذي هو : الكتب والرسل ، فإن من اتبعه ، اتبع ما أمر به ، واجتنب ما نهى عنه ، فإنه لا يضل في الدنيا ، ولا في الآخرة ، ولا يشقى فيهما ، بل قد هدي إلى صراط مستقيم ، في الدنيا والآخرة ، وله السعادة والأمن في الآخرة . وقد نفى عنه الخوف والحزن في آية أخرى بقوله : * ( فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * . واتباع الهدى ، بتصديق الخبر ، وعدم معارضته بالشبه ، وامتثال الأمر بأن لا يعارضه بشهوة . * ( ومن أعرض عن ذكري ) * أي : كتابي الذي يتذكر به جميع المطالب العالية ، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه ، أو ما هو أعظم من ذلك ، بأن يكون على وجه الإنكار له ، والكفر به * ( فإن له معيشة ضنكا ) * أي : فإن جزاءه ، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة ، ولا يكون ذلك إلا عذابا . وفسرت المعيشة الضنك ، بعذاب القبر ، وأنه يضيق عليه قبره ، ويحصر فيه ، ويعذب ، جزاء لإعراضه عن ذكر ربه ، وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر . والثانية قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم ) * الآية . والثالثة قوله : * ( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ) * . والرابعة قوله عن آل فرعون * ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ) * الآية . والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف ، وقصرها على ذلك والله أعلم آخر الآية ،